الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
350
نفحات الولاية
علمي ، فعلى المستوى العلمي ينبغي أن يكون أعلم الجميع ، وفي الجانب العملي أقواهم في أمور الإدارة ، فكثيرون هم الأفراد العلماء ، لكنهم يفتقرون إلى حسن الإدارة ، أو أنّهم يتمتعون بحسن الإدارة إلّاأنّهم يفتقرون إلى العلم ، ولا يمكن النهوض بزعامة الأُمّة دون توفر هذين الشرطين معاً . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الموضوع في قصة بني إسرائيل أثر اختيار ( طالوت ) كزعيم وقائد فاعترض البعض على أنّهم أولى بالزعامة منه على أساس الثروة ، فرد القرآن عليهم بأنّ طالوت أولى بها لعلمه وقدرته : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » « 1 » ومن الواضح أنّ الإمام عليه السلام أراد أن يكشف عن أولويته من الجميع بالتصدي لأمر الخلافة ، ذلك لأنّ الجميع يعلم بأنّه الأعلم في أصول الدين وفروعه وهو الأقوى والأقدر على الإدارة ومواجهة العدو . سؤال : لماذا لم يستدل الإمام عليه السلام بنص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على خلافته ؟ أليس هذا دليلًا على أنّ الخلافة لم تكن على أساس النص ، بل على ضوء انتخاب الناس لأكفأ الأفراد ؟ الجواب : قطعاً ، لو استدل الإمام عليه السلام بالنص ، لهب أغلبهم لإنكاره ، وعليه فمن الأفضل الاستناد إلى مسلماتهم وإلزامهم بمنطقهم ( الأمر الذي يصطلح عليه في المنطق بالجدل ) والذي قال بشأنه القرآن : « وَجادِلهُم بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ » « 2 » . جدير بالذكر أنّ ابن أبي الحديد حين يبلغ هذا الموضع من شرحه لنهج البلاغة ، وخلافاً لأولئك الذين لا يصغون لصوت الضمير يُقرّ بأنّ علياً عليه السلام أعلم القوم ، لكنه يرى أنّ هذا ليس بدليل على نفي خلافة الآخرين ، ذلك لأنّه يمكن أحياناً تقديم المفضول على الأفضل « 3 » . طبعاً ، هذا منطق الأفراد الذين لا يفقهون قوانين العقل ولا يرون قبح
--> ( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 247 ( 2 ) . سورة النحل ، الآية 125 ( 3 ) . شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 9 ، ص 327